ما معنى الشمول المالي؟
مفهومٌ يتردّد كثيراً في النشرات الاقتصادية وخطابات المسؤولين، لكنه أبسط مما يبدو، وأقرب إلى حياتك اليومية مما تتخيّل.
مقدمة: مفهومٌ بسيط في حياتك اليومية
يتردّد مصطلح "الشمول المالي" في النشرات الاقتصادية وفي خطابات المسؤولين، لكنه يبقى غامضاً في ذهن كثيرين. الواقع أن المفهوم بسيط جداً، وقد يكون من أكثر المفاهيم الاقتصادية ارتباطاً بالحياة اليومية.
إذا أمكنك استلام راتبك دون اللجوء إلى صرّاف، وتسديد فاتورة الكهرباء من هاتفك، والحصول على قرض صغير لتجديد مشروعك، فأنت تعيش الشمول المالي. وإذا كانت إحدى هذه الأمور متعذّرة عليك، فأنت ضحيّة الاستبعاد المالي.
قبل أن تكمل القراءة، اسأل نفسك: أيّ من هذه الخدمات الثلاث متاحٌ لي فعلاً، وأيّها يتطلّب وسيطاً أو وقتاً طويلاً؟
تعريف الشمول المالي وأركانه الأربعة
يُعرّف البنك الدولي الشمول المالي بأنّه نسبة الأشخاص أو الشركات الذين يستخدمون الخدمات المالية الرسمية. وتعرّفه مؤسسات أخرى، منها صندوق النقد العربي، بأنّه تمتّع الأفراد — بمن فيهم أصحاب الدخول المنخفضة — بإمكانية الوصول إلى خدمات مالية متنوّعة، وبأسعار مناسبة، وعبر قنوات رسمية.
يُلخَّص المفهوم في أربعة أركان: الوصول إلى الخدمات، واستخدامها بانتظام، وجودتها، والأثر الإيجابي على المستهلك. ويشمل خدمات أساسية: الحسابات المصرفية، والمدفوعات، والائتمان (القروض)، والادخار والتأمين. وقد أُضيفت إليها في السنوات الأخيرة الخدمات الرقمية كالمحافظ الإلكترونية والدفع عبر الهاتف، باعتبارها أبرز محرّكات التوسّع.
لماذا يهمّ الشمول المالي؟
للشمول المالي ثلاثة مستويات من الأثر. على المستوى الفردي، يُمكِّن الناس من حفظ أموالهم بأمان، وتسديد التزاماتهم بسهولة، والاقتراض لأغراض إنتاجية بدلاً من اللجوء إلى المرابين، ومواجهة الطوارئ دون الانزلاق إلى الفقر.
على المستوى الأسري، يرتبط بتحسين الإنفاق على التعليم والصحة. وعلى المستوى الوطني، يدعم الناتج المحلي الإجمالي، ويُقلِّص الاقتصاد غير الرسمي، ويُعزّز قدرة الحكومة على رصد التدفّقات النقدية وتحصيل الإيرادات.
خَلصت دراسات أُجريت في اقتصادات نامية متعدّدة إلى أنّ رفع نسبة الشمول المالي بعشر نقاط مئوية يرفع معدّل النمو الاقتصادي بنحو نقطة مئوية كاملة — وهو أثر ضخم بالمعايير الاقتصادية.
من هم المُستبعَدون مالياً؟
يشمل الاستبعاد المالي شرائح متعدّدة في المجتمعات النامية، أبرزها: النساء، خاصةً في المناطق الريفية؛ والشباب، خاصةً الذين لم يلتحقوا بعد بسوق العمل الرسمي؛ والعاملون في القطاع غير الرسمي كالحرفيين والباعة المتجوّلين؛ وأصحاب المشاريع الصغرى والصغيرة الذين يفتقرون إلى الضمانات؛ والنازحون وذوو الإعاقة.
تُشير الاستراتيجية الوطنية للشمول المالي العراقية إلى أنّ شمول المرأة في العراق مقيّد بحواجز اجتماعية واقتصادية، ما يجعل المرأة من أبرز الفئات المستهدفة بالسياسات والمبادرات — وهو الدافع المباشر لإطلاق مبادرة DigitHer ضمن هذه المنظومة.
الاستبعاد المالي ليس قراراً شخصياً دائماً، بل غالباً نتيجة حواجز هيكلية: غياب الوثائق، بُعد المصرف، التكلفة المرتفعة، أو ضعف الثقة. فهم هذه الحواجز هو الخطوة الأولى لتجاوزها.
الواقع العراقي والاستراتيجية الوطنية 2025–2029
أطلق البنك المركزي العراقي في الخامس والعشرين من أيار الاستراتيجية الوطنية للشمول المالي للفترة 2025–2029، وهي أوّل استراتيجية وطنية متكاملة في هذا المجال. تتضمّن الاستراتيجية إطاراً يهدف إلى تمكين جميع الأفراد والشركات من الوصول إلى القطاع المالي، واستخدام خدمات مالية مناسبة وآمنة، مع حماية حقوقهم.
تستند الاستراتيجية إلى ثلاث ركائز رئيسية: توفير خدمات مالية مناسبة ومنخفضة التكلفة، واعتماد التكنولوجيا المالية في الخدمات المصرفية، ودعم المؤسسات المالية العاملة في مجال التمويل الأصغر. كما تركّز على ثلاث فئات مستهدفة هي النساء، والشباب، والمشاريع متناهية الصغر.
ما تعلّمته في هذا المقال
- أنّ الشمول المالي مفهوم بسيط يلامس حياتك اليومية: راتب، فاتورة، قرض، تأمين.
- أنّ المفهوم يقوم على أربعة أركان: الوصول، الاستخدام، الجودة، والأثر.
- أنّ للشمول المالي أثراً فردياً، أسرياً، ووطنياً — وأنّ رفعه بعشر نقاط يرفع النمو بنقطة كاملة.
- أنّ النساء والشباب والعاملين في القطاع غير الرسمي هم أبرز الفئات المُستبعَدة.
- أنّ العراق يملك أوّل استراتيجية وطنية متكاملة (2025–2029) بثلاث ركائز.